حسن الأمين

89

مستدركات أعيان الشيعة

العاندين الجاهلين ، لا أن هذا الدين - بحمد الله - مفتقر من بعض حواشيه ، إلى بينة تزيد فيه ، ولا أن الاستدلال الصادق كان ترك شبهة إلا فضحها ، ولا معجزة إلا أوضحها ، وزائغا إلا قومه ، وجاهلا إلا علمه ، وركنا للباطل إلا خفضه ، وعقدا للشرك إلا نقضه ، إلا أن المخالفين قد شغلت الدنيا أكثرهم عن التأمل ، وحجبت العادات خواطرهم عن التأول ، فبعد بالحجج السالفة ذكرهم ، واشتد إلى البراهين المستحدثة فقرهم ، فكان أبلغ ( برهان ) إقبال مثله إلى المحجة عن غير رغبة استفزته ، ولا رهبة هزته ، ولا محاسدة أغرته ، ولا مناظرة عزته ، بل أطلق عنان عقله ومد به راشدا حتى وقفه على الصراط المستقيم ، واستتلاه قاصدا حتى أورده إلى المنهج السليم ، فوردت النعمة بتخيره صافية غير مكدرة ، والمنحة في استئمانه وافية غير مقصرة ، فهنا الله الإسلام ما لا يزال يتولاه به من إيضاح مناره ، وتبلج أنواره ، وإدامة صبحه ضاحكا تتصدع عنه دياجير الشبهات ، وتنجلي منه ملابس الضلالات ، وهنا الله الشيخ ما رآه له أهلا من هذا السناء الذي تقف دونه همم المعالي ، وتضئ به ظلم الليالي ، وغرس عنده التوفيق الذي يسترهن لواء النعمة ، ويضمن بقاء العصمة . رسالته إلى أبي العلاء أحمد بن عبد الله بن سليمان المعري وأخيه ( 1 ) بسم الله الرحمن الرحيم وبه توفيقي هذه أطال الله لسيدي الشيخين في سبوغ النعمة البقاء ، وأدام لهما في ذروة المجد الارتقاء ، وجعلني لهما من كل سوء الفداء والوقاء ، نفثة مصدور ، وضجرة مأسور ، بعثتهما صبابة هوى تذكيها نار الغرام ، في صبابة لقاء تقلها أيدي السلام : بقية شلو كسر البين عظمه ومزق جلدا كان يستر ما بقي أقام فلا تلك الخوافي تطيعه نهوضا ولا تلك القوادم ترتقي ولا بد للمصدور أن ينفث ، ولا غرو للماسور أن يتلهث ، وجملتها أني كتبت وما لي جارحة إلا وهي جريحة حبهما ، ولا جانحة إلا وهي جانحة إلى قربهما ، ولا قلب إلا وهو كيفما تردد وتقلب ففي مرضاتهما ، ولا نفس إلا وهو كيفما تصعد وتصوب ففي موالاتهما ، فالله يحرس على موقدي جزل الغضا بين جنبي ، وموفدي جيش الصبابة كل يوم إلي ، اللذين إن واجهت بهما المروءة أسفر مربدها ، وسر مكمدها ، وإن قابلت بهما الفتوة طلع سعدها وأورى زندها : أردد فيهما فكري فترجع حسرا فكري كذاك الشمس تثني العين معشاة عن النظر فإذا هاجت بلابلي ذكراهما ، وإن كنت لا أنساهما ، واشتقت أن أراهما ، ولم أجد عوضا ممن سواهما : أروم بالذكر شفاء الذي يقلقني من لوعة الذكر ولست بالحاصل إلا على إطفاء جمر بلظى جمر وعلة الكون إذا طولبت بالجري في الإفساد لم تجر مثلت نفسي لديهما ، وقررت مكانها بين أيديهما : وخلوت أجتلب الرقاد لعلني ألقى خيالا منهما فاراهما فإذا عدمت النوم لذت بفكرتي فانجاب لي من ليلتي فجراهما وإذا سئلت بمن تهيم صبابة قلت اللذان هما اللذان هما هما الموفيان بعهدي بالغيب ، والساتران لما في من عيب ، والمحسنان إلي إذا أسات ، والمصيبان في أمري إذا أخطات : دليلاي إن جار بي مهتد وعوناي إن خذل الناصر ولولا تردد فكريهما لما كان لي في الدجى سامر من أجتلي غرر محاسنهما من جبهات الدهر ، وأقرأ فضائلهما في صحائف العصر وأطالع طلعتيهما في مرآة التخيل وأشاهد سمتيهما بعين التفكر والتأمل ، ولا غرو وإن بعد العهد ، إذا قرب الود ، ولا ضير إن تناءت الأشباح ، فقد تدانت الأرواح : ولكن إذا حاسبت نفسي تأملت فلم تر إلا فكرة قل ما تجدي فلا العين ترعى غير ما كان من نوى ولا القلب يلقى غير ما كان من وجد وإني لجاني البعد والبعد قاتلي وشاحذ حد البين والبين لي مردي فوا أسفا من ذا ألوم على النوى ومن قبلي كان الفراق ومن عندي وكم قد أقلت الدهر من خطا ثنى فهلا أقال الدهر من خطا فرد فنفس من كرب وفرج من أسى وجمع من شت وقرب من بعد وهيهات هو الدهر الذي يسر نادرا ويسوء مبادرا ، ويحسن مبتدئا ويسوء آخرا : ويجود ثم يجيد أخذ صلاته مستدركا خطا الجميل فمدركا فإلى الزمان أذم ما ألقاه من غير الزمان وأستنيم إلى البكاء وإذا شكوت إلى سواه صنيعه لم يشكني فإليه منه المشتكى فلعله أن يغلط باجتماع ، لا يكدره انصداع ، أو تلاق لا ينغصه افتراق ، وهو المرجو من طول الله تعالى . ولولا ما أرجوه من عوده إلى ما عود من جمع الفريقين ، ولم ذات البين ، لمت كمدا ، ولم أجد على ما أقاسيه جلدا . فاما حالي وما أنا عليه ، فجملتها أني أصبح وأمسي في غل التدبير ، وأروح وأغدو في سجن المقادير ، هدفا لسهام الليالي والأيام ، وغرضا لأسنة الأحوال والأعوام ، أجد ما لا أريد ، وأريد ما لا أجد : وليتني من زماني خرجت رأسا برأس فلم ينلني بخير ولم يصبني بياس وكنت أصبح حرا بين ارتجاء ويأس وهما يريان ذلك في اضطراب خطي ، ورجوع ألفاظي شيئا فشيئا إلى حطي ، فإذا هما صرفا التأمل إلي ، وأقبلا بكلية فهمهما علي ، وجداني : وقد استحال الهم بي فتخالني من طول ما أجد الجوى مسرورا وقد انطوت مني الضلوع على أسى لو كان محسوسا لكان سعيرا وأخلق بمن كانت هذه صفته ، أن تتساوى عنده الصحة والسقم ، وأحر بمن كان هذا نعته أن يتماثل لديه الراحة والألم : باي فؤاد أقاسي الهموم وفي أي جفن أحس السهادا وما ترك الدمع لي مقلة ولا خلف البين عندي فؤادا وأنا مع كمال هذه الأحوال أخاشن الحجر ، وأحاسن القمر وأفاضل الهجان بالهجن ، وأفضل الغثانة على السمن : أتعاطى نزح الركي وقد قصر عن أن ينال ماء رشاء

--> ( 1 ) انظر رسائل المعري 1 : 251 ، تحقيق إحسان عباس .